أبو حامد الغزالي
213
تهافت الفلاسفة
فرجع إلى إثبات علم المخلوق ، بالجزئيات التي لا نهاية لها ، وهذا ربما تعتقد استحالته ، فنطالبهم بالدليل عليه ، فإنه تحكّم في نفسه . * * * استدلوا فيه ، بأن قالوا : ثبت أن الحركة الدورية إرادية ، والإرادة تتبع المراد ، والمراد الكلى ، لا تتوجه إليه إلا إرادة كلية ، والإرادة الكلية ، لا يصدر منها شئ ، فإن كل موجود بالفعل ، معين جزئي ، والإرادة الكلية ، نسبتها إلى آحاد الجزئيات ، على وتيرة واحدة ، فلا يصدر عنها شئ جزئي ، بل لا بد من إرادة جزئية للحركة المعينة . فللفلك في كل حركة جزئية معينة ، من نقطة إلى نقطة معينة ، إرادة جزئية لتلك الحركة ، فله لا محالة تصور لتلك الحركات الجزئية ، بقوة جسمانية ، إذ الجزئيات لا تدرك إلا بالقوى الجسمانية ، فإن كل إرادة ، فمن ضرورتها تصوّر لذلك المراد ، أي علم به ، سواء كان جزئيا أو كليا . ومهما كان للفلك ، تصوّر لجزئيات الحركات وإحاطة بها ، أحاط لا محالة بما يلزم منها ، من اختلاف النسب مع الأرض ، من كون بعض أجزائه طالعة ، وبعضها غاربة ، وبعضها في وسط السماء ، فوق قوم ، وتحت قدم قوم ، وكذلك يعلم ما يلزم من اختلاف النسب ، التي تتجدد بالحركة ، من التثليث والتسديس ، والمقابلة والمقارنة ، إلى غير ذلك من الحوادث السماوية . وسائر الحوادث الأرضية ، تستند إلى الحوادث السماوية ، إمّا بغير واسطة ، وإمّا بواسطة واحدة ، وإمّا بوسائط كثيرة . وعلى الجملة ، فكل حادث ، فله سبب حادث ، إلى أن ينقطع التسلسل ، بالارتقاء إلى الحركة السماوية الأبدية ، التي بعضها سبب للبعض . فإذن الأسباب والمسببات ، في سلسلتها ، تنتهى إلى الحركات الجزئية الدورية السماوية ، فالمتصور للحركات ، متصور للوازمها ، ولوازم لوازمها إلى آخر السلسلة .